بـــ الشوق ـــدر
05-18-2007, 05:07 AM
من الصعب على أي جهاز مهما كان حجمه وإمكاناته أن يؤدي دوره على أكمل وجه بمعزل عن المؤسسات الاجتماعية الأخرى، ويزداد الأمر صعوبة عندما يتعلق الأمر بقضية تمس أمن المجتمع وسلامته، مثل قضية تحقيق الأمن الشامل ومكافحة الإرهاب؛ فعند الحديث عن الشأن الأمني تصبح المسألة أكثر حاجة إلى التعاون والتنسيق بين مختلف الأجهزة والمؤسسات العامة والخاصة على حدٍ سواء، باعتبار أن الأمن قضية اجتماعية تمس الفرد والجماعة، وأن تحقيقه بحاجة إلى تضافر كافة الجهود والإمكانات. إن هذا التعاون المنشود بين كافة المؤسسات والهيئات لا يعني الإقلال من دور المؤسسات الأمنية في مكافحة الجريمة بشكل عام، والإرهاب على نحو خاص، ولا يقلل من أهمية ما تبذله الجهات الأمنية بمختلف أجهزتها من جهود لاستتباب الأمن وتحقيق الاستقرار وسلامة المجتمع، فالأجهزة الأمنية تؤدي عملاً لا يمكن تجاهله أو الاستغناء عنه، لكن دور المؤسسات الاجتماعية والهيئات الحكومية المختلفة في مكافحة الإرهاب والجريمة بشكل عام، يعدّ دوراً محورياً، بدءاً بالأسرة التي عليها أن تكفل التربية السليمة للنشء، حيث يولد الفرد في عائلة تبدأ في تعليمه الدور الاجتماعي واللغة والتقاليد والقيم والسلوكيات المقبولة، لذلك فإن الأسرة هي المحطة الأولى لتشكيل شخصية الطفل، وهي المناخ الصالح لنموه، بحيث يمكنه أن يخدم نفسه وأسرته ووطنه وأمته، كما أن الأسرة تقدم لطفلها النماذج الإنسانية التي عليه أن يقلّدها وتلك التي عليه أن ينأى بنفسه عنها. وتلعب المدرسة من خلال التعليم والتربية دوراً كبيراً في تهذيب النفوس، وتثقيف العقول، وتنظيم السلوك، فهي بما تتضمنه مناهجها من قيم روحية وأخلاقية وتربوية نابعة من الشريعة السمحاء، تقف سداً يحول دون تفريخ أجيال تأخذ بثقافة العنف والكراهية، وتعمل على بناء المواطن الصالح القادر على فهم واستيعاب المتغيرات؛ فضلاً عمّا يمثّله المدرسون بسلوكهم المتزن، وتصرفهم الراشد، وحوارهم الهادئ من قدوة لطلابهم في الولاء والانتماء للوطن، والعمل الدؤوب المخلص على أمنه وأمانه واستقراره وازدهاره. وفي عصر الفضاءات المفتوحة يبرز دور المؤسسات الإعلامية في مكافحة كافة الظواهر غير السوية في المجتمع، وبخاصة الجريمة الإرهابية، حيث يصبح الإعلام المعتدل الصادق، الذي يضع الأمور في نصابها الصحيح، ويزوّد الجماهير بالأفكار والمبادئ والقناعات والرؤى الصائبة في مختلف القضايا والمستجدات، هو الإعلام المطلوب، ولاشك أن هذا الدور التوعوي سيكون أكثر جلاءً ووضوحاً عندما يتعرّض المجتمع لقضايا ذات صلة بالجرائم وارتكابها، حيث يضطلع بدوره الهام والرئيس في توعية الرأي العام بمخاطرها، وتبصير كافة فئات المجتمع بأدوارهم، ووضع خطط وبرامج محكمة تعمل من أجل حماية الأجيال الناشئة من السقوط في براثن الإجرام، وتلبية حاجة الشباب في مختلف الميادين، والارتقاء بوعيهم الثقافي، وإبراز خطورة الجريمة على المكونات الرئيسة للاقتصاد الوطني والمكانة الدولية للدولة. ولا يغرب عن البال أهمية الاستفادة من مختلف التخصصات، واعتماد أسلوب الحوار وتبادل الرأي والخبرة عند مناقشة القضايا الجوهرية، حتى يتم طرحها ومناقشتها بالموضوعية والمصداقية التي تجعلها ذات تأثير مباشر وقوي على جمهور الوسائل الإعلامية بنوعياته ومستوياته المختلفة. وإذا كان للتعليم والإعلام دورهما البارز في مكافحة الجريمة بعامة، وجريمة الإرهاب على وجه الخصوص، فليس هناك من أحد يجهل دور العلماء والدعاة والخطباء في هذا المجال، وذلك باعتبارهم قادة للرأي وموجّهين للأمة ومحفزين لأثر الدين في سلوك الفرد والجماعة، بما يمثله الدين من رادع ذاتي يحول بين الفرد وبين ارتكاب الجرائم أو الإقدام عليها؛ وهذا هو الشق الوقائي لرسالتهم ودورهم في مكافحة الإرهاب، أما الشق العلاجي لدور العلماء والدعاة والخطباء في جريمة الإرهاب، فيتمثل في محاورة من تورّط من الشباب في القضايا الإرهابية، وبيان ما في أعمالهم من جرم ومخالفة لأصول الدين وتوجيهات النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وتوضيح ما سببته أعمالهم الإجرامية من مفاسد وأضرار شوّهت الصورة المشرقة للإسلام، وأضرّت بالمسلمين سواء خارج أوطانهم أو داخلها. ولا شك أن رجال الأعمال مطالبون بدور إزاء مجتمعاتهم، سواء تعلق هذا الدور بالشأن الاقتصادي أو الشأن الاجتماعي، وقد أعطاهم الوطن الكثير وآن أوان ردّ جميل الوطن وعطائه. وليس رجال الفكر والثقافة والأدب وهم رموز الوطن في إثراء الوجدان ورقيّ العواطف وتثقيف العقول بحاجة إلى بيان ما يتوجّب عليهم تجاه أمن الوطن ثقافياً وفكرياً، فهم الأقدر على ممارسة هذا الدور، كل في مجاله وتخصصه. وعلى وجه الإجمال، فإنه لا يمكن أن تُعفى أية مؤسسة مهما كانت أو فرد من أداء الدور المنوط به في سبيل خدمة المجتمع والحفاظ عليه من محاولات الهدم والتدمير، سواء كانت فكرية أو عملية، فبناءً على هذا التعاون بين المؤسسات والأفراد يمكن للمجتمع أن يناهض الفكر الضال والمخالف لعقيدة الإسلام السمحاء، وأن يردع الإرهابيين أفراداً وجماعات عن العبث بأمن المجتمع أو تهديد أسسه القويمة التي يستند إليها ويعتمد عليها في استمراره وازدهاره. إن قضية أمن الوطن قضية محورية لكل فرد من أفراد المجتمع ولكل مؤسسة من مؤسساته، إذ الأمن هو السبيل إلى الاستقرار الذي لا يمكن لأمة من الأمم أن تحقق لنفسها مكاناً أو مكانة بدونه، وعليه، فإن الحفاظ على هذا الأمن والتصدّي لمن تسوّل له نفسه أن يهدده أو ينال منه، هي مسؤولية مشتركة بين أفراد المجتمع كلٌ في مجاله وبين الجهات المختصة في الدولة، حتى تتضافر الجهود، وتتضاعف القوة، ويضيق الخناق حول أعناق مهددي أمن الوطن كيفما كانوا وأينما